فخر الدين الرازي

78

تفسير الرازي

* ( كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) * . أما قوله تعالى : * ( كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ) * فهو يتصل بما قبله وبما بعده أما الأول ، فعلى وجه الرد والتكذيب أي ليس الأمر كما يتوهمه هؤلاء من أن السعادة الحقيقية بكثرة العدد والأولاد ، وأما اتصاله بما بعده ، فعلى معنى القسم أي حقاً سوف تعلمون لكن حين يصير الفاسق تائباً ، والكافر مسلماً ، والحريص زاهداً ، ومنه قول الحسن : لا يغرنك كثرة من ترى حولك فإنك تموت وحدك ، وتحاسب وحدك ، وتقريره : * ( يوم يفر المرء ، ويأتينا فرداً ، ولقد جئتمونا فرادى ) * إلى أن قال : * ( وتركتم ما خولناكم ) * وهذا يمنعك عن التكاثر ، وذكروا في التكوير وجوهاً أحدها : أنه للتأكيد ، وأنه وعيد بعد وعيد كما تقول : للمنصوح أقول لك ، ثم أقول لك لا تفعل وثانيها : أن الأول عند الموت حيث يقال له : لا بشرى والثاني في سؤال القبر : من ربك ؟ والثالث عند النشور حين ينادي المنادي ، فلأن شقى شقاوة لا سعادة بعدها أبداً وحين يقال : * ( وامتازوا اليوم ) * وثالثها : عن الضحاك سوف تعلمون ، أيها الكفار : * ( ثم كلا سوف تعلمون ) * أيها المؤمنون ، وكان يقرؤها كذلك ، فالأول وعيد والثاني وعد ورابعها : أن كل أحد يعلم قبح الظلم والكذب وحسن العدل والصدق لكن لا يعرف قدر آثارها ونتائجها ، ثم إنه تعالى يقول : سوف تعلم العلم المفضل لكن التفصيل يحتمل الزائد فمهما حصلت زيادة لذة ، ازداد علماً ، وكذا في جانب العقوبة فقسم ذلك على الأحوال ، فعند المعاينة يزداد ، ثم عند البعث ، ثم عند الحساب ، ثم عند دخول الجنة والنار ، فلذلك وقع التكرير وخامسها : أن إحدى الحالتين عذاب القبر والأخرى عذاب القيامة ، كما روى عن ذر أنه قال : كنت أشك في عذاب القبر ، حتى سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول : إن هذه الآية تدل على عذاب القبر ، وإنما قال : * ( ثم ) * لأن بين العالمين والحياتين موتاً . * ( كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ) * . ثم قال تعالى : * ( كلا لو تعلمون علم اليقين ، لترون الجحيم ، ثم لترونها عين اليقين ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : اتفقوا على أن جواب لو محذوف ، وأنه ليس قوله : * ( لترون الجحيم ) * جواب لو ويدل عليه وجهان أحدهما : أن ما كان جواب لو فنفيه إثبات ، وإثباته نفي ، فلو كان قوله : * ( لترون الجحيم ) * جواباً للو لوجب أن لا تحصل هذه الرؤية ، وذلك باطل ، فإن هذه الرؤية واقعة قطعاً ، فإن قيل : المراد من هذه الرؤية رؤيتها بالقلب في الدنيا ، ثم إن هذه الرؤية غير واقعة قلنا : ترك الظاهر خلاف الأصل والثاني : أن قوله : * ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) * إخبار عن أمر سيقع قطعاً ، فعطفه على مالا يوجد ولا يقع قبيح في النظم ، واعلم أن ترك الجواب